إن القانون هو مجموعة القواعد التي تنظيم حياة الأفراد داخل المجتمع بغية تحقيق العدالة وإعطاء كل ذي حق حقه. والحق الذي يهدف القانون حمايته هو ما يقع به الفرد على ما هو عائد له بصفة مشروعة من قيم أو أشياء، ويكون لهذا الفرد الإفادة من هذه القيم أو الأشياء بنطاق واسع وإلزام الغير بعدم التعرض له في هذه الإفادة. وقد عنيت سائر التشريعات برعاية حقوق الأفراد والذود عنها، ومنحت صاحب الحق سلطة كبيرة في مجال استعماله لحقه. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أن صاحب الحق مطلق اليد في استعماله لحقه كيفما شاء ولو أدى هذا الأمر لإلحاق ضرر بالغير، أم أن الأمر عكس ذلك، بحيث أن الحق وإن كان يمنح صاحبه صلاحية عظمى في استعماله والتصرف فيه إلا أن هذا الاستعمال والتصرف مقيدان بالمصلحة العامة؟ بمعنى آخر هل الحق سلطة مطلقة ممنوحة لصاحبها دون حدود أم هو وظيفة لصاحبها يدخل في إطار التضامن الاجتماعي، فلا يجوز الإساءة إلى الغير عن طريق التجاوز في استعمال الحق؟ في الواقع هناك نظرتان مبدئيتان إلى الحق يمكن إرجاعهما إلى المدرسة الشخصية من جهة والمدرسة الموضوعية من جهة ثانية. فالمدرسة أو النزعة الشخصية تعتبر الحق سلطة مطلقة تخول صاحبها استعمال الحق على النحو الأكثر إطلاقاً، فهي ترى أنه لا يُعقل أن يُسيء تقييد الحق وافتراض إمكانية الإساءة أو التعسف في استعمال الحق. أما المدرسة أو النظرة الموضوعية فهي على العكس تقيد الحق بالمصلحة، وتبني فكرة نشوئه على مبدأ التضامن الاجتماعي ومفاد ذلك أن الإنسان اجتماعي بطبعه لا يمكنه العيش إلا داخل الجماعة، وهو لا يستطيع تحقيق مطالبه إلا عن طريق التعاون والمساعدة مع أبناء جنسه. وصلة الإنسان لا تقتصر على أسرته ووطنه بل تتعداهما إلى الاتصال بالأمة والبشرية قاطبة، فأساس الحياة هو التضامن الاجتماعي الذي هو ركيزة العلاقات الاجتماعية، وتصبح العلاقة الاجتماعية قاعدة قانونية إذا رأت الجماعة ضرورة احترامها، ووجوب الأخذ بها لحفظ التضامن الاجتماعي وحماية أفراد المجتمع.